البحث فى المقاصد فلسفة القانون أصل الفكرة


بقلم / هادى التهامى المحامى
بسم الله
الحمد لله الخافض الرافع
أنزل القرآن نورا يتلى فإذا الناس محجوب وسامع
 
نحمده تبارك وتعالى على كل حال وواقع
 
ونعوذ بنور وجهه الكريم من العوائق والموانع
 
ونسأله أن يحفظ علينا العقول والأبصار والمسامع  
 
ونرجوه أن يكون عنا هو المدافع
وأشهد أن لا إله إلا الله الضار النافع
 
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله


إن القانون طبقا للتعريف المستقر عليه هو مجموعة من القواعد التي تحكم وتنظم سلوك الأفراد في الجماعة ، وتوفق بين مصالحهم والتي يفرض على مخالفها جزاء توقعه السلطة العامة ، ولما كانت مبادئ الشريعة الإسلامية هى المصدر الرئيسى للتشريع طبقا لنص المادة الثانية من الدستور ، وأهم هذه المبادئ هى الضرورات الخمس الحفاظ على ( الدين والنفس والنسل والمال والعقل) ، فالدستور - القانون الاعلى فى الدولة - وكذلك جميع القوانين لم توضع عبثًا ، بل شُرِّعت تحقيقًا لغايات هدفها بالأساس الحفاظ على هذه الضرورات الخمس ، فهذه الضرورات تمثل بالنسبة لكافة القوانين أصولها الكبرى ، وأسسها العظمى ، وأركانها التي لا تبلى ، وتنبثق منها فروعها المتغيرة حسب الزمان والمكان ، سعيًا للحفاظ على الإنسان ومصالحه وحقوقه. فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجَوْر ، وعن الرحمة إلى الغلظة والقسوة ، وعن المصلحة إلى المفسدة ، وعن الحكمة إلى العبث ، فليست من الشريعة فى شئ. ولما كان القانون علم غائي ، فهو بمثابة هندسة اجتماعية للعلاقات داخل المجتمع ، وهو وليد الشعور بالحاجة إلى قواعد معيارية ملزمة تحقق التوازن والتناسق بين المصالح المختلفة لأفراد المجتمع ، فموضوعه أفعال الإنسان ، من حيث ما يجب أن يكون عليه سلوكهم الفردي ، وغايته العامة في جميع القوانين وفي كل زمان ومكان إيجاد تنظيم لمختلف العلاقات القانونية بصفة دائمة ومستمرة ، وهذا ما يتحقق عن طريق حفظ النظام وتحقيق العدل الاجتماعي والتقدم الإنساني في إطار احترام حقوق الإنسان والحق في المساواة ، فتشريع كل أمة هو من خصائصها ، وله ارتباط وثيق بأخلاقها وتقاليدها وثقافتها ، وما هو إلا مظهر من مظاهرها الإجتماعية ، ومرآة لحالتها الإقتصادية والسياسية ، وهو بذلك لا يبتعد في مقصوده عن غاية الشريعة الإسلامية ومقاصد تشريعها في جلب المصالح ودفع المفاسد وتحقيق مصالح الإنسان ، فكون الإسلام دينا اجتماعيا يجعل من شريعته قانونا اجتماعيا معياريا بامتياز، مقصوده تحقيق مصالح الإنسان بميزان الشرع ، ويجعل منها صاحبة الريادة في مراعاة المصالح الحقيقية للإنسانية بما احتوته من رحمة وعدل وحكمة لخدمة الناس جميعا ، نفعا ودفعا ، جلبا ورفعا، حفظا ومنعا.
وجدير بالذكر ان المادة الثانية من دستور 2014 او الدستور السابق او الدستور الأسبق لم تأت بجديد يذكر ، لأن حكمها موجود تقريباً منذ عام 1949 في الفقرة الثانية من المادة الأولي من القانون المدني والتى جرى نصها على انه
( مادة 1 ) : فقرة ( ب ) فإذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه ، حكم القاضي بمقتضى العرف ، فإذا لم يوجد ، فبمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية ، فإذا لم توجد ، فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة.
والمقصود بمبادئ الشريعة الإسلامية في المادة الواردة في الدستور ، والمادة الواردة في القانون المدني ، المبادئ العامة للشريعة الإسلامية ، وهي كما يقول الدكتور السنهوري ، المبادئ الكلية للشريعة التي لا خلاف عليها بين الفقهاء ، ولاشك في أن المبادئ العامة الكلية للشريعة الإسلامية تعتبر من المبادئ العامة والمصادر الأُوَل للقانون المصري ، والتى لايجوز الخروج عليها .
وقد حُصِرَتْ تلك الضروريات عند عامة العلماء في خمس أو ست وهي : الدين، والنفس، والنسب أو النسل، والعقل، والمال، والعِرْض.
وللمحافظة على هذه الضروريات أقام الشرع حدوداً لعقوبة من يهدرها :
فحَدُّ الردة في مقابل حفظ الدين               . - وحَدُّ القتل قصاصاً في مقابل حفظ النفس.
وحَدُّ الزنى في مقابل حفظ النسب            .- وحَدُّ شرب الخمر في مقابل حفظ العقل.
وحَدُّ السرقة في مقابل حفظ المال           . - وحَدُّ القذف في مقابل حفظ العِرْض.

يقول الغَزَّالي: (وتحريم تَفْوِيْت هذه الأصول الخمسة يَسْتحيل أن لا تشتمل عليه مِلَّة من الملل ، وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق؛ ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتال والزنا والسرقة وشرب المسكر).
لذلك نقول انه من المعلوم أن المشرع لم يضع القانون عبثاً ، وإنما ابتغى هدفاً مرادًا من ورائه ، وحِكَما باعثة عليه ، وأسبابا ومقاصد دافعة اليه ، ولما كان عدم وضوح الغاية الأساسية للتشريع الوضعي أدى إلى استغلاله استغلالا سيئا أفقده مصداقيته في كثير من الأحيان ، خصوصا مع الإصرار على تطبيقه حرفيا ولو خالف روح القانون وإرادة المشرع ، ولذلك كان لابد على أهل الذكر من رجال القانون من الكشف عن قصد المشرع ، ومراعاته في الفهم والتطبيق ، ذلك أن أي تشريع متعلق بتنظيم حياة الإنسان وسلوكه داخل الجماعة ، يكون في أصل وضعه مبنيًا على غاية يريد واضعه تحقيقها في حياة المخاطبين بهذا القانون الوضعي ، وتلك الغاية هي المقصودة من تشريعه ووضعه في جملته وتفاصيله ، والإسلام كدين اجتماعي له فضل ريادي في تحقيق مصالح الإنسان وحقوقه.

وبالرغم من إحتكار الدولة وظيفة التشريع وصنع القواعد القانونية في أغلب الحالات والأوضاع ، إلا أن للمقاصد وجود في تلك القيم التي تتكشف عن بعض عبارات في النص القانوني كتحقيق العدل وحماية الحرية ومراعاة الفطرة وحسن النية والسماحة والعفو والمساواة والعدالة الاجتماعية وحماية حرية العقيدة وحفظ النفس والعرض والمال والنسب أو الحقوق الإجتماعية والاقتصادية الآخرى ، غير أن المشرع الوضعي - بحكم نسبية قواعده وعدم إحاطتها بكل أبعاد هذه الضروريات -  يحتاج تعديلاً كلما حصل تطور في المجتمع ، وقد لا تسمح الظروف بإجراء تعديلات في الوقت المناسب ، وعندئذ يكون البحث عن المقاصد هو الملجأ في التعرف على حكم الواقعة قياسا على منهج المشرع ؛ بأن يجعل القاضي نفسه مكان المشرع ويتوقع ما يجب أن يكون لو كان مكان المشرع ، فالمقاصد خطط تشريعية يهتدي بها لإدراك مراد المشرع في تنظيم الحياة ، ولما كانت الحياة التي تحكمها هذه القوانين متغيرة ، فإن تحقيق المقاصد العليا لا يتحقق إلا بأن تلهث القوانين خلف هذه المتغيرات لكي تسايرها ، قبل أن تصبح قوانين متخلفة عاجزة عن تحقيق ما وضعت لأجله ، فتتحول من قوانين وضعت للانصاف والعدل الى قوانين تدعوا الى الجور ، لذلك فان تفعيل المقاصد وإعمال "روح القوانين" هو المخرج من أزمة التغير والتبدل ، لأن القانون الذي لا يخدم القيم ولا يساعد على حمايتها في المجتمع ، يصبح بلا فاعلية ، بل ينعكس دوره ويضحى سلبيا يقتل القيم ويسود به الجور والانتقاص من حقوق الافراد ، وخدمة القيم هنا لا تتأتى بالنظر للفظ دون المعنى والجوهر والمقصد لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لأنفسها ، وإنما تقصد بها أمور أخرى هي معانيها وهي المصالح التي شرعت لأجلها لذلك نقول إن الغاية الكبرى من البحث فى المقاصد هي أن يتحقق التوافق بين قصد المكلف وبين قصد الشارع .

فالصورة المثالية لأي تشريع متكامل عادل أن تتجه إرادتا المشرّع والمكلف إلى قصد واحد وهو "العدالة" ، ومن المعلوم ان استنباط المقصد والاستدلال اليه لا يتأتى لعامة المشتغلين بالمجال القانونى ، بل يلزمه جهد وبحث وإطالة النظر فى النص ودراسته من جميع جوانبه والنظر فى مدى اتساقه مع القواعد العامة للدستور ابتداء ومن ثم جملة القواعد القانونية ، ولذلك يشترط في من يبلغ درجة الاجتهاد شرطين
 الاول : فهم مقاصد الشريعة على كمالها ومن ثم القواعد القانونية المستقرة .
 الثاني : التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيهما.
ولان عكس هذا الاجتهاد هو الجمود الظالم وإنحسار الفكر الى اضيق مجال بعيدا عن العدالة المرجوة وهو ما يناقض الأسس التي قامت عليها الأديان من دعوي للتفكر وتحدي ما هو ثابت من معتقدات دينية كانت راسخة لدي الشعوب التي نزلت عليها ، حدث ذلك في فجر المسيحية والإسلام كليهما . فقال كل منهم لرسوله: "بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون" (البقرة: 170).
ففي الاختلاف إثراء ، فالإيمان يقين ، ولا يقين مع التحرج من النظر ، وإنما اليقين بإطلاق النظر في الأكوان ، طولها وعرضها حتي يصل إلي الغاية التي يطلبها دون تقيد ، فالله يخاطب في كتابه الفكر والعقل والعلم ، بدون قيد ولا حد ، وكفانا أن نعلم أن الله تبارك وتعالى لم يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بطلب الازدياد من شئ إلا من العلم فقال له سبحانه  (وَقُلْ رَبّ زدْني علْمًا) ، والوقوف عند حد فهم العبارة هو من وجهة نظرنا عين الضرر وسبب جالب للمفاسد ، ومناف لما كتبه أسلافنا من جوهر المقولات ، والتي تركنا كتبها  فراشاً للأتربة ، بينما انتفعت به أمم أخري ، فكما قال اسلافنا العباقرة الاختلاف رحمة ، انتصاراً لدور العقل والتوفيق بينه وبين النقل ، ذلك بتأويل النقل إذا تعارض “ظاهره” مع براهين العقل ، وذلك بمؤاخاته بين الحكمة والشريعة ، إذ العلم بالمقاصد يزيد النفس طُمَأنينة بعدالة النص وحكمته ، والنفسُ مَجْبولة على التسليم للحُكم الذي عرفتْ عِلَّته ، فالمهم في أي سياسة تشريعية وضعية أن يركز القانون على القبول الجمعي لمضمونه ، وانه يستهدف في الأساس تحقيق الأمن والسكينة والاستقرار وحماية الفرد في دينه وبدنه وعقله ونسبه وعرضه وماله وضميره وإحساسه ، بشكل يتأقلم مع احتياجاته ويلبي مصالحه ، فعندما يصبح القانون في وجدان الناس معبرا عن آمالهم وآلامهم والقيم التي يؤمنون بها يُزال حاجز الرهبة والخوف منه ، فالقانون في حقيقته معاني إنسانية تستهدف الصالح العام ، فمن الواجب بل والضروري وجود تناغم وتوافق بين فكرة العدل والقاعدة القانونية ، فالعبرة في القول بالمشروعية من عدمها في الوقائع والسلوكيات الفردية والجماعية هو بما يتضمنه الفعلُ من الصلاح والفساد كأساس عام.
فالقانون باعتباره تعبير عن الإرادة العامة ممثلة في السلطة التشريعية غالبا يعبرعن مقاصد واضعه وخلفيات وضعه وأسبابه المبثوثة في المذكرات التفسيرية والإيضاحية المستفادة من جلسات النقاش حول مشروع القانون قبل التصديق عليه ، هذه المقاصد المضمرة أحيانا والمصرح بها في أحيان أخرى تمثل المغزى والمعنى الحقيقي الذي كانت تقصده الجهة المشرعة أثناء وضع القانون ، ولأن المخاطب بالقانون الذي تعلقت مصلحته به لا يستطيع في الغالب مقابلة المشرع للاستفهام عن مراده ومقصوده من تشريع القانون ليعلمه بمقصوده ، ففي حالة ما لو تعارض جوهر القانون ومغزاه ومقصده الذي وضع القانون لأجله ، مع مقتضى ظاهر النص فأيهما يقدم؟ وبلغة المقاصد نكون أمام حرفية النص ومقصد النص .
فإذا أخذنا بروح القانون فقط لم يكن لذلك ضابط وبطلت الموازين القضائية ، وإذا اخذنا بحرفية النص القانوني ولفظه رغم عدم تناسبه للحقيقة يكون سبباً للظلم وهو ما يخالف مقصود القانون من وضعه ، ولكن التوفيق بينهما بحكمة بحثا عن العدالة . فانه وكما فى الحديث الشريف " الْحِكْمَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ فَحَيْثُ وَجَدَهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا "

وأخيرا نرى ان القانون كائن حى له قلب ينبض بغايات وجوده ، فالبحث فى الغايات هو بمثابة محاولة اقناع القانون " وليس القاضى " بمشروعية هدفك ، وعليه فان القائلين بالتقيد بنصوص القانون وعدم الخروج عنها مطلقا ، كأنهم يقولون بان القاضى ينبغي أن يخضع للنص ويتقيد به مطلقا ، سواء كانت النتيجة عادلة  أو غير عادلة ، مؤدى ذلك وبالضرورة إلى نتائج مجحفة تأباها العدالة الحقة ، فالبحث عن الحكمة والغاية من تشريع أى نص والمقصد الدال عليها هو سبيل الرأى الحق وهو سبيل العدالة فى جميع صورها ،،،

                                                                                      هادى التهامى المحامى

تعليقات